نتحدث اليوم عن ظاهرة كبيرة انتشرت في المجتمع العربي وهي ظاهرة تحسين صورة الظالمين والمفسدين واثر ذلك على الفرد والمجتمع ودمار الامة وضياع الحق والقيام كما نستعرض ذلك بالسطورة القادمة.

picture 1505579147 702 - خطورة تحسين الظالمين

خطورة تحسين الظالمين أسوأ من خطورة ذم الصالحين

لأن من يخطئ في ذم صالح سيجد صالحاً آخر يتأسى به، أما من حسن صورة ظالم فسيصاحبه هذا التحسين ويبطل عليه كل تأسٍ بالصالحين، لأن المسألة هنا تكون وسطاً بين الظلم والعدل على أقل تقدير، فعندما نخفي مظالم أحد الظالمين ونبث المفتريات في فضله، نكون قد جملناه في أعين العامة، ، فهذا يعني أنك تجعله قدوة يؤخذ منه الفقه والحديث والعقائد، فتزكيه وتزكي من أحاطوا ببلاطه وانتشروا عن رأيه وتدبيره، ويكون هوومنهجه محل تزكية ورضى وعلم وفقه وصلاح..الخ، والعامي لا يعرف إلا أن الصالح محل قدوة والظالم عكس ذلك، ولا يعرف أن النص الشرعي وحده هو الواجب الاتباع.

ومن هذا الباب يقع المسلمون بسنتهم وشيعتهم في خلل كبير، وهو تركيزهم على محاسن من يحبون وإغفالهم لمساوئهم و العكس صحيح، فالشيعة يكثرون من الغلو في بعض الصالحين (كأهل البيت رضي الله عنهم) والتشكيك في البعض الأخر من الصالحين (كبعض الصحابة الكبار وعلى رأسهم أبو بكر الصديق وعمر ابن الخطاب وأم المؤمنين عائشة رضوان الله عليهم أجمعين ) من باب معاندة السنة ويصل الأمر إلى الإتهام صراحة بالنفاق والردة والكفر مما يتبعه السب واللعن و العياذ بالله. وهنا مقتل المذهب الشيعي وضعفه.

بالمقابل نحن أهل السنة نجد أن بعضنا يكثر من الثناء على السلاطين وحاشيتهم وولاتهم وعلمائهم ووعاظهم وقصاصهم وقضاتهم فيكثر عندنا الثناء على جملة وافرة من الظالمين من باب التوسع في الرد على الشيعة، فيتحول التاريخ السني ورموزه إلى دين، يؤخذ منه القدوة والشرع والسلوك، ويصبح للسني الحق والحرية المطلقة أن يتبع رسول الله (ص) أو سلطان ظالم، فكلاهما من أولياء الله الصالحين! وهنا ضعف المذهب السني، وقد يكون ما أقوله هنا أخص بمذهب وليس كل المذاهب، فالثناء على الظالمين فيه أكثر بكثير من بقية مذاهب أهل السنة.

وقد رأينا في ثورة مصر الأخيرة كيف أن بعض المشايخ كانوا مع الظالم ثم إذا انتصرت الثورة ركبوها وباركوها وكأنهم مصابون "بـزهايمر جماعي" ! ينسون جرائمهم ويضخمون أخطاء الآخرين، وهم هكذا على مر التاريخ، عند الحقيقة هم أخفى من دبيب النمل، وعند الدعوى هم أظهر من زحف الدبابات، وهكذا عاشوا بين الأمة أسياداً، لهم الكرسي الثاني، مجرحين ومعدلين، مفتين في دماء الناس وأموالهم وحقوقهم، والأمة لا تحاسب ظالما ولا كاذباً ولا متلوناً وإنما يتاح لهؤلاء المتلوّنين فيما بعد محاسبة الصادقين والمظلومين.

هناك وهم كبير يقع فيه كثير من الشباب من طلبة العلم.. فبعض شيوخهم يوهمونهم أنهم بهذا التورع عن نقد مثل الحجاج أو يزيد بن معاوية أو أمثالهم من الظالمين إنما يفعلون هذا لأن الله غفور رحيم! ولأنهم لايعرفون بماذا ختم الله لهم! وأنهم متأولون مجتهديون يريدون وجه الله! ولكن الاجتهاد يخطئ ويصيب! وأن المسلم مأمور بحسن الظن..الخ، وهذا كله وهم.. فهؤلاء المتورعون عن الظالمين قد تجد فيهم من هو أظلم الناس للصالحين وأشدهم تكفيراً للمسلمين وأسفكهم للدماء وأكثرهم شرعنة لظلم السلاطين..الخ. فأين حسن الظن؟ وأين التورع عندما نراهم يحكمون على نيات الناس بأنهم يريدون محاربة الله ورسوله؟ أين هذا الورع عندما نراهم يحكمون على أبي حنيفة بالكفر والفسق والزندقة؟ وأين هذا التورع في الحكم على بعض أهل بدر بالنفاق (كاتهام معتب بن قشير الأنصاري بالنفاق مع أنه بدري! و بعض أهل بدر والرضوان ذموهم وتسالموا على ذمهم وتضعيفهم)، فهؤلاء المتورعون عن ذم الظالمين قد يكونون من أوقع الناس في الصالحين، فإما أن يكون ورع هؤلاء عاماً في الصالح والظالم، في الناصبي والشيعي، في المجسم والجهمي. أما أن يسمحوا لانسفهم بالطعن في أهل بدر فلا أقل من أن يفسحوا المجال لاتهام الظالمين ودعاة النار.

هؤلاء اشغلونا بالنهي عن الغلو في الصالحين - وهذا حق لا غبار عليه - ، مع حملهم راية الغلو في الظالمين، ونقول لهم: أوقفوا الغلو في الظالمين حتى نشارككم في النهي عن الغلو في الصالحين، فهؤلاء المتورعون عن نقد الظالمين ممن سفكوا الدماء طلبا للملك لا نجدهم يتورعون في الاعتذار عن آخرين لم يسفكوا دماً حراماً ولم يبخسوا الناس أشياءهم، وبضاعتهم اللسان فقط في نصرة أفكارهم وفق رؤيتهم.

وبعض الناس يحكمون على بقية فرق المسلمين بالنار خالدين فيها، الصالح منهم والفاسد، الفقيه والعامي.. بينما إن وجدوا من يحكم على الحجاج بالنار لظلمه وجرائمه هرعوا ليقولوا : لا تتألّ على الله! فلعله قال ( رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين!) وكأن أبو حنيفة و الجهمية والشيعة والمعتزلة والإباضية والزيدية لا يقولون ذلك! كأنه لا يستطيع أن يستغفر الله إلا من كان ظالما وسافكاً للدم الحرام!

فنكتشف آخر الأمر أن هذا الورع الكاذب لا يستفيد منه إلا الظالمون، ونكتشف أنه ورع خبيث يدور على المذهب لا على الدين والإسلام. فاحذروا هؤلاء المتورعين عن ذم الظالمين.

ودعوني أنهي بفتوى نادرة لقاضٍ يعرف عدل الله. فقدزعموا أن رجلاً حلف بالطلاق إن لم يكن الحجاج في النار! ثم أتاه هؤلاء المتورعون وشككوه بأن زوجته طلقت منه! فذهب إلى قاضٍ مستفتياً - وكان القاضي حصيفاً واعياً – فقال القاضي:
أمسك عليك زوجك.. فإن لم يدخل الحجاج النار على ما فعله فلن يضرك الزنا!


بهذا الوعي والاطراد نريد أن يكون هؤلاء المتورعون، نريد من يعرف أن الله عدل، لا يظلم الناس شيئا،ً وأن ميزانه واحد، فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية سواء كان من مذهبنا الأليف أم من المذاهب المعارضة التي نسميها هالكة! ومن خفت موازينه فأمه هاوية، سواء كان ً شيعيا أم سنيا، ولو أن بائع خضروات كان عنده ميزانان لاتهمناه بالظلم، بينما يزعم هؤلاء أن لله أكثر من ميزان، ميزان ذهب لمذهبهم، وميزان حديد صلب لبقية المذاهب! وما قدروا الله حق قدره.

كل شر يتفرع من الجهل بالله

وكل خير يتفرع من العلم بالله